الجمعة، 30 سبتمبر 2011

لاحزبيه ولا احزاب هناك نموذجاً للعقلية الحزبية المريضة التي تدفع البعض إلى استعمال الكذب والتكفير والتخوين ضد من يخالفونهم الرأي، حتى في مسائل بسيطة وعرضية. هذا النوع من الحزبيين ضيقي الأفق، يشكلون أحد أبرز العوائق أمام تطور حركاتهم. فهم عادة ما

لاحزبيه ولا احزاب

هناك نموذجاً للعقلية الحزبية المريضة التي تدفع البعض إلى استعمال الكذب والتكفير والتخوين ضد من يخالفونهم الرأي، حتى في مسائل بسيطة وعرضية. هذا النوع من الحزبيين ضيقي الأفق، يشكلون أحد أبرز العوائق أمام تطور حركاتهم. فهم عادة ما يحولون أحزابهم وقياداتهم إلى أصنام يقدسونها ويضفون عليها الكمال والعصمة، فيفرغونها من خيرة أعضائها، ثم يحولون الأصدقاء أو المحايدين إلى خصوم وأعداء. بل إ...نهم بحكم ثقافتهم السياسية الضحلة، وعدم إيمانهم بالديمقراطية وحق الاختلاف -رغم أن بعضهم يقيم منذ سنوات طويلة في لندن أو دبي او الرياض او برلين - يشكلون الخميرة لاستبداد قادم، إذا ما توفرت لهم الفرصة لاكتساب نفوذ ما أو كتب لهم أن يمارسوا جزءا من السلطة. فالذي يتهمك بالتخابر يريد أن يعدمك سياسيا، بعد أن عجز عن سجنك بتهمة الخيانة. ولهذا عادة ما يعمل الحكماء من قادة هذه التنظيمات على إبعاد هذا الصنف من المتعصبين الحزبيين عن مواقع المسؤولية، لأن ضررهم أكثر من نفعهم. مع الملاحظ أن هذا الصنف من الموتورين لا تخلوا منهم الجماعات والحركات، سواء منها اليسارية أو الإسلامية أو غيرها، وإن كانوا ينتعشون بالأخص داخل التنظيمات العقائدية.

المسألة بسيطة، ولا تحتاج إلى كثير من التفكير. فوجود حزب في المعارضة لا يعفيه من نقد الآخرين له، وفي مقدمتهم الكتاب والصحافيون. النقد ليس ممارسة أحادية الاتجاه ضد السلطة، وإنما النقد عملية دائرية، تشمل جميع الفاعلين، بمن فيهم الأكثر عرضة للقمع والتهميش. فالمقموع تراعى ظروفه، والدفاع عن حقوقه المدنية والسياسية واجب أخلاقي ومدني وقانوني، لكنه ليس محصناً إذا أخطأ، ولم يحسن إدارة معركته مع خصومه، أو لجأ إلى أساليب غير مشروعة، أو هدد مكسبا من مكاسب البلاد. فالشرعية التاريخية أو النضالية تفقد قيمتها إذا رفعت ضد الحق في ممارسة الحرية. أنا من الذين يعتقدون –وقد مارست ذلك منذ زمن بعيد ولا أزال– بأن الحركات الإسلامية يجب أن تحظى أكثر من غيرها بالاهتمام والنقد. وذلك لاعتبارات متعددة، لعل من أهمها:

- كونها تشكل قوة اجتماعية وسياسية صاعدة. وهي من هذه الزاوية قد ترشحها الظروف المحلية لتلعب دور المعارضة الرئيسية أو ربما البديلة عن الحكم خلال المرحلة القادمة في بعض الدول الهشة. وككل القوى الجماهيرية وربما الشعبوية، يجب العمل على ترويضها على تحمل النقد والرأي المخالف، وذلك من باب التقليل من احتمالات انزلاقها في المستقبل نحو ممارسة القمع المفرط ضد مخالفيها نظراً لكونها حركات عقائدية في الأساس قبل أن تتحول إلى أحزاب سياسية، فإنها مدعوة في صراعها أو إدارة خلافاتها مع الآخرين إلى التمييز بين ما تعتبره اجتهادا في رؤيتها للقضايا، وبين ما هو قاسم مشترك تعود ملكيته للأمة بكل مكوناتها. لأن الخطورة كل الخطورة تكمن في أن يهيمن على أتباع هذه الحركات وقادتها أنهم المؤتمنون على الإسلام، والناطقون باسمه. قد يرفضون ذلك على صعيد الخطاب، لكن ذلك لا يمنع من أن يمارسه البعض منهم بوعي أو بغير وعي في مناسبات عديدة.

- لا يمكن ضمان حرية الصحافة والتعبير مستقبلا، إلا عندما تقبل المعارضات، وفي مقدمتها الحركات الإسلامية، أن تكون عرضة للنقد بمختلف أشكاله، طبعا ما عدا الثلب والمس من الأعراض وتزوير الحقائق. وحتى في هذه الحالات، هناك أساليب قانونية وعرفية للرد على مثل هذه الانحرافات. المهم، وفي كل الحالات، يجب أن تتم حماية الحرية حتى عند مناقشة بعض المقدسات والمحرمات.
هذا رأيي، أما الذين لا يتحملونه، فذاك من حقهم، وعليهم أن يناقشوه بالدليل أما البحث في النوايا، وتوجيه التهم السخيفة الماسة بالشرف والمصداقية، فإنهم بذلك يثبتون أنهم قد يكونون نسخة طبق الأصل من الأجهزة التي يحاربونها.

احمد شميري
المانيا الاتحادية                             

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق